القرطبي

12

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ( 68 ) قوله تعالى : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ) فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ) بالتكذيب والرد والاستهزاء ( فأعرض عنهم ) والخطاب مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه . وهو صحيح ، فإن العلة سماع الخوض في آيات الله ، وذلك يشملهم وإياه . وقيل المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وحد ، لأن قيامه عن المشركين كان يشق ( 1 ) عليهم ، ولم يكن المؤمنون عندهم كذلك ، فأمر أن ينابذهم بالقيام عنهم إذا استهزءوا وخاضوا ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض والاستهزاء . والخوض أصله في الماء ، ثم استعمل بعد في غمرات الأشياء التي هي مجاهل ، تشبيها بغمرات الماء فاستعير من المحسوس للمعقول . وقيل : هو مأخوذ من الخلط . وكل شئ خضته فقد خلطته ، ومنه خاض الماء بالعسل خلطه . فأدب الله عز وجل نبيه ( صلى الله عليه وسلم ( 2 ) ) بهذه الآية ، ( لأنه ) ( 3 ) كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ويدعوهم فيستهزؤون بالقرآن ، فأمره الله أن يعرض عنهم إعراض منكر . ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرا وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه . وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " قال : هم الذين يستهزئون بكتاب الله ، نهاه الله عن أن يجلس معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر قام . وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : هم الذين يقولون في القرآن غير الحق . الثانية - في هذه الآية رد من كتاب الله عز وجل على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية ( 4 ) . وذكر الطبري عن أبي جعفر محمد بن علي ( رضي الله عنه ( 5 ) ) أنه قال : لا تجالسوا أهل الخصومات ، فإنهم الذين يخوضون

--> ( 1 ) في ك : أشق . ( 2 ) من ك وز . ( 3 ) من ك . ( 4 ) التقية والتقاة بمعنى واحده . يريد أنهم يتقون بعضهم بعضا ويظهرون الصلح والاتفاق ، وباطنهم بخلاف ذلك . ( 5 ) من ، ع ، ز .